الرئيسية المجلس القيادة والأعضاء القلادة الذهبية الفعاليات الأرشيف

طوال السنوات التى كنت أقدم فيها برامجى التليفزيونية على شاشات مختلفة كان المحبون يطوقون عنقى بإطراء أكبر مما أستحق، لكننى لاحظت منذ نحو عشر سنوات أن العبارات المبهجة قد تحولت إلى جملة متكررة مضمونها «ربنا يديك الصحة»، ثم إذا بى لا أسمع فى السنوات القليلة الأخيرة سوى الدعاء «ربنا يديك طولة العمر»!.. كان هذا إيذاناً بأن ضمان الصلاحية اقترب من النفاد.

دق جرس الإنذار مرة أخرى عندما جاءنى من أسابيع خطاب رقيق من منظمة عربية مهنية ناشئة هى «ملتقى الإعلاميين الشباب العرب» تدعونى فيه لحضور مؤتمرها العام فى عمان، وتلقى جائزة «أبرز شخصية إعلامية عربية رائدة لعام 2009». الآن ارتقيت إذن إلى خانة الرواد التى تليها مباشرة مرتبة المتقاعدين.. إحساس يثير الغم كما كنت أظن..

إلا أن ما احتوانى كان شعوراً طاغياً بالغبطة لم أصادفه فى تكريم من قبل سوى ذلك الذى كنت قد لقيته فى لندن من «المرصد العربى للإعلام» الذى منحنى «جائزة التميز الإعلامى لعام 2006»، وهى الجائزة التى يمنحها المرصد لشخصية إعلامية واحدة، عربية أو بريطانية، كل سنة.

المرصد هذا رابطة من صحفيين وشخصيات عربية وبريطانية معنية بالشأن العربى، ترصد ما ينشر ويذاع فى وسائل الإعلام العربية والبريطانية وتحلله وتعقب عليه، وهى مؤسسة لا تستهدف الربح، ولا تتلقى معونات من خارج أعضائها.

كانت سعادتى بجائزة الملتقى غامرة كسعادتى بجائزة المرصد، وربما فاقتها لأنها أولا من شباب يتطلع إلى رمز، ثم إنها منحت عن عام لم يظهر فيه من برنامجى «قلم رصاص» سوى خمس حلقات فقط على قناة «الليبية» التى أممت بسببه، مما يشى بأن الجائزة تمنح احتجاجاً على التغييب وليس حفاوة بالحضور.

إلا أن هناك سبباً للاثنين مشتركاً بين الجائزتين هو أنهما جائزتان مخلصتان نقيتان لا تشوب أياً منهما اعتبارات مجاملة أو مصلحة كتلك التى تشوب معظم الجوائز العربية، وفى مقدمتها جوائز ذلك المهرجان المصرى المعروف باسم «مهرجان الإعلام العربى» الذى اختتم دورته الخامسة عشرة فى القاهرة أمس، وهو المهرجان الذى يضرب به المثل فى توزيع الجوائز بحساب خاضع للتوازنات السياسية، ولا يكرم فيه سوى المجازين بخاتم النسر، بل إنه لا يدعو أمثالى ممن لم يحصلوا على صكوك غفران من كهنة الإعلام الحكومى لأى من نشاطاته.. لا افتتاح ولا ختام، لا ندوة ولا حفل.

دعوة واحدة للمهرجان تلقيتها، لكنها لم تكن من وزارة الإعلام، وإنما من العضو المنتدب لمؤسسة دبى للإعلام أحمد الشيخ، لحضور الحفل الذى أقامته دولة الإمارات بمناسبة اختيارها كضيف شرف للمهرجان. أذكر هنا أن هذه المؤسسة هى التى أوقفت فى نهاية العام الماضى بث برنامجى، وأترك لحضراتكم أن تقارنوا بين موقفهم المتحضر عندما وضعوا هذا الأمر جانباً ودعونى للجلوس إلى مائدتهم الرئيسية، وبين موقف إعلام مصر الحكومى الذى يتشدق بأن قلما فى عصره لم يقصف «وإن لم يتحدث عن صوت يحجب».

الحديث فى هذا الأمر يطول، لكنه ليس موضوعنا اليوم، اليوم أريد أن أعود مرة أخرى إلى الأردن الذى كتبت عنه فى الأسبوع الماضى، كان الحديث عن الأحوال فى الأردن التى قارنت بعضها بالأحوال فى مصر، لكننى لم أتطرق إلى السبب الذى من أجله ذهبت إلى هناك: المؤتمر الثانى لملتقى الإعلاميين الشباب العرب، كانت جلسة الافتتاح بالنسبة لى مفاجئة، أدهشنى الحشد الحاضر، كانوا أكثر من ألف من شباب الإعلاميين الأردنيين والعرب وطلبة الجامعات الأردنية الثلاث التى تدرس الإعلام،

إضافة إلى وزراء وسفراء ونخبة من الكتاب والمثقفين دل حضورهم على اهتمام الدولة بالجيل الجديد من الإعلاميين، وما كاد يفتتح المؤتمر الذى كان يذاع على الهواء مباشرة صوتاً وصورة حتى ترك رئيس الملتقى هيثم يوسف مكانه إلى جانبى، واختفى دقائق عاد بعدها يهمس فى أذنى أنه طلب لمكالمة القصر الملكى، أبلغ فيها أن المؤتمرالثالث القادم سيكون تحت رعاية الملك وليس تحت رعاية رئيس الوزراء، كما هو حال المؤتمر الثانى.

مرة أخرى يراودنى رغم أنفى شيطان المقارنة بين مصر والأردن، فى مقالى الماضى حكيت لكم عن قرار القصر الملكى إيقاف برنامج لى كان قد بث فى التليفزيون الأردنى عام 1968، بعد حلقة واحدة من إذاعته، ها هو القصر نفسه لا ينزعج من مؤتمر يكرم نفس الشخص الذى أبعده، بل يحيطه برعايته.

لم يكتف المنظمون بورقة عمل قدمتها حول أوضاع الإعلام، لكنهم دعونى فى اللحظات الأخيرة إلى إلقاء كلمة فى حفل الافتتاح، ارتجلتها معتمداً على ورقة سجلت فيها رؤوس الموضوعات التى سأتناولها، والتى كانت فى الواقع موضوعاً واحداً، وجدت أنه الأنسب كى تبلغ رسالته هذا الجمع: ما الذى يمكن لواحد مثلى طحنته سنوات العمل الطوال أن ينصح به جيل الإعلاميين الشباب أو أولئك الطلبة المقبلين على إنهاء دراستهم الجامعية، وخوض حياة عملية تحفها التحديات والمخاطر، أعرف أن النصح عادة ثقيل على السمع، لكنى حدثتهم من القلب.

■ أوصيكم بألا تعملوا بالإعلام إلا إذا كنتم تحبونه، فإن لم تكونوا كذلك حاولوا أن تحبوه، فإذا أعيتكم الحيلة ابحثوا عن مهنة أخرى.

■ أوصيكم بالقراءة والقراءة والقراءة.

■ أوصيكم بحكمة كنت أقرؤها دائماً على «جلدة» كراسات المدرسة فى الماضى، وإن كنت أعلم أن كراسات مدارسكم الآن تحمل على أغلفتها صور النجوم ولاعبى الكرة، تقول الحكمة وإن كانت قد فقدت معناها من رتابة تكرارها: من جدّ وجد.

ربما تظنون أن مفتاح النجاح هو كارت توصية أو مكالمة من رجل مهم. هذا قد يفتح نافذة مغلقة، لكنه لا يفتح طريقاً ممتداً للمستقبل.

■ أوصيكم بإتقان اللغة العربية وحمايتها، وإتقان لغة ثانية وأكثر.

■ أوصيكم بالتعرف على الآخر وفهمه. منذ كنت طالباً فى الجامعة كنت أحاول السفر إلي الخارج كل صيف بمبلغ يكاد يكفى الكفاف لأعرف الدنيا، وعندما عشت عشر سنوات عند عملى باليونسكو فى باريس عشت حياة أهلها، ولم أتقوقع فى شرنقة المصريين والعرب.

■ أوصيكم قبل التواصل مع الآخر أن تعرفوا ناسكم وتتمرغوا فى تراب أرضكم.

■ أوصيكم إذا خالفتم أحداً الرأى أن تتفهموا دوافعه، وإن خاصمتم خاصموا بنزاهة، وإن انتقدتم انتقدوا بعفة.

■ أوصيكم بالاستيقاظ المبكر. اليوم عندئذ يصبح مبروكاً ممتداً إلى ما لا نهاية، والعمل يحتاج إلى اتصالات لا يمكن أن تتم فى أنصاص الليالى. تعرفون من تاريخ بعض بلداننا أن الضابط الذى يصحو قبل الآخر هو الذى ينجح فى انقلابه، لكننى سأحدثكم عن مثل آخر أكثر لياقة. فى اليابان جرى أحد الانتخابات البرلمانية، فلما سئل زعيم الحزب الفائز عن سبب تفوقه قال إنه يبدأ يومه قبل غريمه بساعة.

■ أوصيكم بالتحريض الشريف والشغب البناء لا التحريض والشغب بمصطلح مباحث أمن الدولة، ذلك أن الرسالة الأولى لأى مبدع، فى أى مجال من مجالات الإبداع، هى التحريض على التغيير والإصلاح والتحديث والنهضة، ومشاغبة الداعين إلى التحنيط والتقديس والاستقرار الذى يغتال التقدم والحركة.

■ أوصيكم مادام المجتمع قد نصبكم قادة فكر ورأى أن تصدقوا الناس فى قولكم، ولكى تصدقوهم اصدقوا أنفسكم. كونوا أنتم. المشاهد بعد خمسين سنة من متابعة التليفزيون يكشف الغث من السمين، والقارئ بيسر لا تظنوه يميز.

■ أوصيكم ألا تخادعوا أو تداهنوا، وأن تقولوا كلمة الحق عند السلطان الجائر. منذ آمنت بذلك لم تلن لى قناة، ودفعت الثمن راضياً. حق من حقوقنا الإنسانية أن نعبر عن رأينا، وربما يعتقد أصحاب السلطان والصولجان أن من حقهم حجره. سيفعلون ذلك ولكن إلى حين. انقشاع الظلمة ليس ببعيد.

■ أوصيكم ببذل كل ما تستطيعون من جهد لتثبيت استقلال الإعلام وحريته وحقه فى الحصول على المعلومات ومحاربة الفساد ومقاومة القمع والتسلط.

■ أوصيكم بعدم الانضمام إلى الأحزاب والجماعات السياسية حتى تحافظوا على استقلالكم الشخصى، ومكانتكم المتجردة عن الانحيازات والمصالح.

■ أوصيكم بألا يكون المال هدفكم، المال بالطبع مهم، لكنه ليس الأهم، وهو بالتأكيد فى يوم سيأتى نتيجة الجهد المخلص، بدأت عملى فى التليفزيون بتغطية حدث محاولة حاكم العراق عبدالكريم قاسم الاستيلاء على الكويت، فى الكويت قدم مسؤول لى مظروفاً به مبلغ مغر من المال اعتذرت عن عدم قبوله فى حضور الراحل الأستاذ موسى صبرى رئيس تحرير صحيفة الأخبار عندئذ، فروى للدكتور عبدالقادر حاتم وزير الإعلام ما رأى، عندها فتحت لى فرص بغير حساب، كل فرصة منها تقود إلى أخرى.

■ أوصيكم بألا تخلطوا فى عملكم بين الإعلام والإعلان، إما أن تعملوا فى مهنة أو فى الأخرى، المهنتان محترمتان، كل على حدة، لكننا نحقر مهنة الإعلام إذا ما عمل الصحفى كمندوب إعلانات، وإذا ما تقاضى مالا ليدس إعلاناً بين ثنايا ما يكتب، وإذا ما حصل على منفعة من شخص أو من جهة للترويج لمصلحة أو للتصدى لخصم.

■ أوصيكم إن أخطأتم بأن تعتذروا، وأن تصححوا الخطأ بتبيان الحقيقة، ذلك ما تنص عليه القوانين ومواثيق الشرف، وما يجب أن تمليه عليكم قبل ذلك ضمائركم.

■ أوصيكم بالتعرف علي كل إمكانات الإعلام الإلكترونى البديل، واستغلالها للمصلحة العامة، لن تزيح أى وسيلة إعلامية حديثة وسيلة سابقة إلا بمقدار، بل ستفتح أمامكم باباً واسعاً للتأثير، وفرص عمل لا تعد.

■ أوصيكم بالسعى الدؤوب نحو التجديد والاختلاف، الإنتاج اللافت هو الإنتاج المختلف، طوال حياتى لم أدع أننى أقدم برنامجاً متميزاً، قلت دائماً إننى أقدم برنامجاً مختلفاً عن السائد.

■ أوصيكم إذا عين أحدكم مندوباً لتغطية أنشطة وزارة ما أن يكون مندوباً للصحيفة أو القناة فى الوزارة، لا مندوباً للوزارة فى مؤسسته الإعلامية.

■ أوصيكم بتشكيل نقابات وروابط تدافع عن حقوقكم، وتنمى مهنتكم، وتدعم استقلالكم، وتحميكم وقت الشدة.

■ وأوصيكم بأن تحافظوا على مبادئ الأديان، وعلى الاخلاق العامة، وعلي الانتماء الوطنى والهوية القومية، وعلى إشاعة الثقافة، وعلى نشر العلم، وأن تنبذوا إعلام الإثارة والدجل والجنس والفضائح.

فى النهاية أعرف أنكم من الذكاء بحيث أنكم لن تأخذوا بهذا النصح كله.. ستأخذون منه بمقدار وإلا أصبح حالكم كحالى، أكتب فى الصحف مقالات وأتجول على المنتديات وأقحم نفسى على مؤتمرات لأسدى للناس النصائح.

📰 المصدر: جريدة المصري اليوم
← العودة إلى صفحة "في الذاكرة"